محمد أبو زهرة
586
زهرة التفاسير
وقد ذكرت عدد الأشهر الحرم آية أخرى هي قوله تعالى في سورة التوبة : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ . . . ( 36 ) [ التوبة ] . فهذه الآية تصرح بأنها أربعة وليست واحدا ، ثم بينت السنة هذه الأشهر الأربعة من أشهر السنة كلها ؛ فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال في حجة الوداع : « ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ؛ منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان » « 1 » . وقد اتفق العلماء على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يبدأ بقتال في الشهر الحرام ، فلم يبتدئ فيه بغزو ، ولكن إذا قوتل فيه لم يكن يمتنع عن القتال ؛ وكذلك إذا ابتدأ القتال قبل الشهر الحرام ، واستمر القتال إلى أن حل الشهر ، لم يكن ينقطع عن القتال حتى يأمن الرجعة ؛ فقد روى عن جابر بن عبد الله أنه قال : « لم يكن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى ، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ » « 2 » . ولقد استعد النبي صلى اللّه عليه وسلم للقتال في الشهر الحرام مرتين ، إحداهما عام الحديبية عندما ذهب معتمرا هو وصحبه ومنعوه من البيت الحرام ، حتى هم بقتالهم إن بدءوه بالقتال ، ولكنه صالحهم على الدخول من قابل ؛ والثانية عندما عاد إلى قضاء عمرته ؛ فلقد كان على استعداد لأن يقاتل المشركين إن قاتلوه على ألا يبدأهم ، وكان ذلك في ذي القعدة في العامين . ولقد ابتدأ القتال في العام الثامن مع هوازن وحنين في الأشهر الحلال ، ولكن استمر القتال حتى دخل ذو القعدة الشهر الحرام ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يحاصرهم ، وقد استمر
--> ( 1 ) البخاري : كتاب تفسير القرآن - باب إن عدة الشهور ( 4294 ) ، ومسلم : كتاب القسامة ( 3179 ) عن أبي بكرة - رضي الله عنه - . وهو نفيع بن الحارث بن كلدة . ورواه أبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي . ( 2 ) عن جابر قال : لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يغزو في الشّهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزوا ، فإذا حضر ذلك أقام حتّى ينسلخ . [ رواه أحمد في مسنده ( 14056 ) ] .